كشفت خسارة الحزب الجمهوري للانتخابات الأمريكية حجم العجز في مشروع سياسي قام على الشعارات الكبيرة والوعود المؤجلة، فالحزب الجمهوري الذي رفع شعار “أمريكا أولاً” يغادر السلطة وقد ترك أمريكا منقسمة على نفسها، وسياسة خارجية بلا بوصلة واضحة.
الضعف الداخلي الذي يضرب الجمهوريين بعد الهزيمة سيدفعهم للبحث عن مكاسب خارجية سريعة؛ فالتجارب السابقة تقول بأن الأحزاب المهزومة داخلياً تلجأ لافتعال أزمات في الخارج لاستعادة صورتها، حتى لو كان الثمن مزيداً من التوتر العالمي. ولكن في الحالة الإيرانية التي كانت القشة التي قصمت ظهر ترامب وحزبه، فإنه لا يستطيع إشعالها من جديد إلا بالرجوع إلى الكونغرس الذي خرج من بين يديه.
منح صندوق الانتخابات فرصة تاريخية لمحاسبة ترامب سياسياً وقانونياً؛ فالتجربة أثبتت فشل الخطاب الجمهوري في التحول إلى واقع، مع ملاحظة أن التوسع في التدخلات الخارجية تم تحت لافتة إنهائها. السيادة الوطنية تم تسليمها للوبيات المال والسلاح، والاستقرار تم تصديره كفوضى إلى مناطق أخرى. والنتيجة كانت رسالة من الناخب الأمريكي بأن الخطاب السياسي الفارغ يخسر حتى في قلب القطب الواحد.
هنا تبدأ فرصة المنطقة العربية والإسلامية، فواشنطن مشغولة بإعادة ترتيب بيتها الداخلي وبتكاليف حروبها الخارجية، فالقطب الواحد يترنح، وهذه اللحظة تفتح الباب أمام إعادة انتظام إقليمي جديد. فالمطلوب اليوم تكامل اقتصادي وأمني قائم على المبادئ والمصالح المشتركة، والمطلوب الخروج من دائرة التبعية التي باعتنا السلاح واشترت القرار، وأشعلت الصراعات بيننا ثم عرضت نفسها وسيطاً للحل.
وأمام العالم الإسلامي خياران: التقاط هذه النافذة وتحويلها إلى مشروع سيادة وتكامل، أو العودة للخلافات القديمة وانتظار قطب جديد يملأ الفراغ.
رحم الله دماء أهل غزة التي أحدثت هذا الاختراق المذهل في السياسة الأمريكية الداخلية.
كتب د. محمد المجذوب











