تحقيقات وتقارير

مدائح وحلوى وزفة.. المولد النبوي يعيد طقوس الفرح إلى الخرطوم

متابعات _ اوراد نيوز

بعد ثلاث سنوات أثقلت كاهل السودانيين بالحرب والنزوح والتعب، تستعيد الخرطوم مشهداً غاب طويلاً؛ أصوات الأناشيد والمدائح تعود إلى ساحاتها، و«الزفة» تجوب المكان، فيما تتجمع الأسر حول المنشدين رافعة أكفها بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

في خيام المولد، تمتزج أصوات المنشدين بدقات الدفوف، ويتردد صدى المدائح في أرجاء المكان، بينما تفوح من البسطات القريبة رائحة حلوى المولد، في مشهد يتجاوز بالنسبة لكثير من السودانيين حدود الاحتفال الديني، ليعيد طقساً اجتماعياً ارتبط بذاكرة الطفولة وأيام أكثر هدوءاً.

 

ويقول الزائر يحيى بشرى حسن للجزيرة إن احتفالات المولد شهدت تطوراً ملحوظاً في الأداء الموسيقي والعزف، مشيراً إلى أن مدائح الشيخ البرعي، التي ظلت حاضرة في الذاكرة السودانية، باتت تؤدى بأصوات وأساليب موسيقية أكثر تنوعاً، لتتحول خيام المولد إلى فضاءات تعج بالمدائح والإنشاد.

 

ولا تتوقف أهمية المولد لدى المحتفلين عند الأناشيد وأجواء الاحتفال، بل يرونه مناسبة للتأمل واستعادة المعاني الروحية. وبين المدائح التي تتناقلها الأجيال، تحضر كلمات الوعظ والتذكير بالموت وقصر الحياة، فتلامس وجدان المستمعين وتعيدهم إلى المعنى الروحي الذي ارتبط بهذا الموسم.

 

حلوى المولد.. طقس لا تغلبه الأسعار

ومن أكثر التقاليد التصاقاً بالمولد في السودان، حلوى المولد بأشكالها المتعددة؛ من «حصان المولد» الذي ينتظره الأطفال بشغف، إلى السمسمية والحمصية والفولية والجوزية وغيرها من الأصناف التي تملأ البسطات والأسواق بالألوان.

 

لكن هذا العام تأتي الحلوى في ظل واقع اقتصادي أكثر قسوة، مع ارتفاع أسعار المواد الخام وتراجع القدرة الشرائية للأسر. ومع ذلك، يبدو أن الغلاء لم يتمكن من إلغاء العادة؛ فمن لا يستطيع شراء الكثير، يكتفي بالقليل، حفاظاً على فرحة الأطفال وطقس توارثته الأجيال.

 

ويقول يحيى بشرى حسن إن السودانيين عرفوا حلوى المولد منذ طفولتهم، حين كان «حصان المولد» هدية ينتظرها الأطفال، مؤكداً أن ارتفاع الأسعار لم يغير رغبة الأسر في شرائها، لأن الغاية، في نظره، لا تتعلق بالحلوى وحدها، وإنما بإدخال الفرح إلى البيوت.

 

ومن مدينة كوستي، جاء محمد طه إلى الخرطوم، ليجد أن المنافسة بين مصانع ومحال الحلوى في العاصمة وأم درمان أفرزت أشكالاً متنوعة وأساليب أكثر إتقاناً في الصناعة.

 

ويقول إن أسعار الحلوى تبدو متقاربة بين كوستي والخرطوم، لكن المهارة التي تتميز بها صناعة حلوى المولد في العاصمة تمنحها ميزة خاصة، لدرجة أن أهالي كوستي، كما يقول، يوصون القادمين إلى الخرطوم بألا يعودوا من دون حلوى المولد.

وهكذا تستعيد الخرطوم مع المولد النبوي واحداً من طقوسها الاجتماعية التي كادت الحرب تطوي صفحاتها؛ مدائح تعود بعد غياب، وأسر تجتمع من جديد، وأطفال يترقبون «حصان المولد»، وبسطات تستعيد ألوان الحلوى.

 

قد يبدو المشهد في ظاهره احتفالاً سنوياً معتاداً، لكنه بالنسبة إلى السودانيين هذه المرة يحمل معنى أعمق: أن تعود الحياة إلى ساحات أنهكتها الحرب، وأن يجد الناس في المولد مساحة للفرح والسكينة واستعادة جزء من ذاكرة مدينة لم تستطع سنوات الألم أن تمحو طقوسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى