
كشفت حرب 15 أبريل 2023 وما تبعها من انهيار أمني واسع في ولاية الخرطوم عن هشاشة بنيوية واضحة في الجغرافيا والعمران والنظام السياسي، ما أتاح لمليشيا الدعم السريع السيطرة على مساحات واسعة رغم تواجد الجيش والاجهزة الأمنية الأخرى داخلها ، الأمر الذي يستدعي إعادة نظر في مفهوم الأمن وآلياته .
هذه الواقع المحزن أكد غياب الرؤية ألاستراتيجية للأمن الشامل، والذي يُفترض أن يربط بين الجغرافيا والتخطيط الحضري والسياسات التنموية في إطار مقاربة متكاملة للأمن الوطني.
إن خصوصية ولاية الخرطوم التي تحتضن العاصمة السياسية والإدارية للبلاد، تجعل من أمنها مسألة تتجاوز وظيفة الشرطة أو الإجراءات الأمنية المباشرة. فهي مركز القرار السيادي، وموقع الالتقاء بين النيلين، ونقطة تمركز ديموغرافي، بجانب أنها مدينة منبسطة مفتوحة من الجنوب والغرب، ومقسّمة جغرافيًا إلى ثلاث مناطق حضرية تفصل بينها مجاري مائية لا تُمثّل عائقًا عسكريًا حقيقيًا.
هذه الطبيعة الطبوغرافية والبنيوية، إلى جانب تركّز معظم المؤسسات الحيوية داخل نطاق ضيق، تجعل الخرطوم بحسب خبراء عسكرين عرضة للانكشاف الميداني عند غياب الدفاعات الهيكلية طويلة الأمد.
التجارب الدولية تقدم نماذج مهمّة لإعادة التفكير في أمن العواصم. ففي الجزائر بحسب خبير أمني خلال “العشرية السوداء” عام 1992، اعتمدت السلطات استراتيجية مزدوجة: أمنية وتنموية، عبر دمج الريف المحيط بالعاصمة في حزام إنتاجي وأمني. تم ذلك من خلال توزيع سكاني ذكي، وبنى تحتية زراعية، ومرافق مراقبة لينة داخل المجال الريفي، ما حدّ من قدرة الجماعات المسلحة على التسلل أو التمركز أو تشكيل تهديد.
أما في مصر فجاءت الاستجابة عبر توسيع المجال الحيوي للعاصمة بمشروعات كبرى مثل قناة السلام وتوشكي، التي لم تكن مشاريع ري فقط، بل أدوات جيوسياسية أعادت توزيع السكان وخلقت عمقًا عمرانيًا آمنًا ومستقرا حول القاهرة.
في ضوء ذلك، يكتسب المشروع المقترح من قبل المهندس السوداني عثمان حيدر عبد الهادي والذي أعد دراسة شاملة ملكنا جزءاً منها، أهمية استراتيجية، لكونه يتجاوز الجانب الهندسي نحو تصور جيوسياسي متكامل.
يقوم المشروع على فكرة تحويل مجرى النيل الأبيض من جنوب الخرطوم إلى شمالها عبر قناة بطول يقارب 470 كيلومترًا، بدلاً من المسار الحالي الممتد لنحو 1700 كيلومتر.
هذا التعديل سيخلق حزامًا زراعيًا جديدًا يقدّر بمليوني فدان، يشكّل عمقًا إنتاجيًا وأمنيًا حول العاصمة. القناة بجانب ما توفره من عمق زراعي واقتصادي، تؤسس لخط دفاع طبيعي ضد أي تهديد بري من الجنوب أو الغرب، مع إمكانية ربطها بمراكز مراقبة ذكية ونقاط تفتيش متقدمة، دون عسكرة مفرطة للمجال المدني.
إلى جانب ذلك يسهم المشروع في استغلال كميات هائلة من مياه السيول المهدرة سنويًا بولاية الخرطوم، والتي تصل إلى نحو 4 ملايين متر مكعب. وإذا صُمّمت القناة وفق الانحدار الطبيعي للمنطقة، فإنها توفر نظام حماية مائي مستدام، يعزز الأمن ويخدم التنمية.
الفكرة ليست معزولة عن الواقع، إذ تشير بعض المصادر التاريخية والجيولوجية إلى أن المسار المقترح قد يكون جزءًا من مجرى قديم عبر وادي المقدم، مما يعزز جدوى المشروع بيئيًا وتاريخيًا. كما أن أثره على حصة السودان من مياه النيل سيكون محدودًا، لأنه لا يستهلك مياهًا إضافية، بل يعيد توجيه الموارد الحالية ويستفيد من مياه الأمطار والسيول.
أمن الخرطوم لا ينبغي أن يُختزل في إعادة انتشار القوات أو تكثيف الإجراءات الشرطية، بل في إعادة تعريف وظيفة الجغرافيا ضمن مقاربة شاملة. بتحويل الماء إلى خندق طبيعي، والزراعة إلى حاجز مستدام، والريف إلى شريك في الحماية، يمكن صياغة منظومة أمنية تنموية تجعل العاصمة أكثر صلابة واستقرار.
إن الرؤية المقترحة تعيد تموضع ولاية الخرطوم ضمن مشروع وطني يوازن بين المركز والهامش، ويعيد توزيع الثقل السكاني والإنتاجي، ويمنح العاصمة قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، سواء كانت عسكرية أو مناخية أو ديموغرافية.
بحسب #وجه_الحقيقة فإن أمن الخرطوم مسألة سياسية بامتياز، ترتبط بمدى جدية الدولة في تبني تخطيط استراتيجي طويل الأمد. المشروع المقترح يمثل فرصة تاريخية لإعادة تعريف أمن العاصمة السودانية وفق رؤية متكاملة، تزاوج بين السياسة والتنمية، وتجعل من الخرطوم عاصمة للأمن والاستقرار، لا ساحة مكشوفة للصراع . المشروع المقترح، إذا ما حظي بالاهتمام الرسمي الجاد، يمثل فرصة تاريخية لإعادة تعريف أمن العاصمة السودانية وفقا للرؤية المتكاملة للعاصمة الجديدة.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 31 أغسطس 2025م Shglawi55@gmail.com