
في أزقة مدينة عدن التاريخية، وقبل نحو خمسة قرون ونصف، التأم شمل مريدي الطريقة الصوفية حول إناء يحوي شراباً داكناً ومرّ الطعم، استعانوا به على طرد النعاس وإدامة السهر في العبادة والذكر، لتنطلق من تلك المجالس البسيطة شرارة تاريخ لم يحسب له أولئك الرواد أي حساب، إذ تحول ذلك المشروب الليلي تدريجياً ليتصدر قائمة السلع الزراعية الأكثر طلباً وحضوراً في صباحات البشرية جمعاء.

وتنتقل تسميته العربية العريقة لتتردد في عواصم العالم من لندن إلى طوكيو وساو باولو بشتى اللكنات واللغات، وصولاً إلى تتويج هذا الأثر العالمي باعتراف رسمي تمثل في تخصيص الأمم المتحدة يوماً دولياً للاحتفاء به في الأول من تشرين الأول أكتوبر من عام 2026.
تتسلل القهوة في جذورها الأولى من أعماق الضفاف الأفريقية لتبلغ استقرارها الحقيقي على أديم الأرض اليمنية، حيث تقاطعت خطى النبتة البرية مع حكمة المتصوفة وتجاربهم.
وتشير الروايات التاريخية الموثقة إلى أن شجرة البن وجدت بيئتها المثلى وعنايتها الكبرى في أرض اليمن، لترتبط منذ مهدها بمجالس الذكر والروحانية، متخذة من ميناء المخا نافذة كبرى أطلت منها على العالم.
حين حمل العرب المسلمون هذا المشروب وأهدوه إلى الإنسانية، لم يقدموا مجرد حبوب سمراء تُغلى في الماء، بل حمّلوها منظومة متكاملة من القيم الثقافية والاجتماعية؛ فقد نقلوا معها تقاليد الضيافة الرفيعة، وآداب المجالس، وفلسفة الحوار المتأني التي تجمع البشر على اختلاف طبقاتهم. كما أسسوا لثقافة الإبداع والتفكير التي رافقت رشفات القهوة في حواضر العالم الإسلامي وصولاً إلى مقاهي إسطنبول ولندن وباريس، لتصبح النبتة وعاءً للفكر الإنساني المشترك، ورمزاً للتواصل الحضاري العابر للغات والقارات.

تفصل المعرفة العلمية الحديثة بدقة بين الأصل البيولوجي لشجرة البن والميلاد الحضاري لمشروب القهوة؛ إذ تحسم الدراسات الجينية الموثقة، وفي مقدمتها الأبحاث المنشورة في دورية ناتشر جينيتكس بقيادة العالم فيكتور ألبرت، أن الموطن الأصلي لنبتة البن العربي يعود إلى غابات إثيوبيا قبل أكثر من ستمئة ألف عام نتيجة تهجين طبيعي بعيد عن تدخل البشر، بينما تظل قصة الراعي كالدي أسطورة متأخرة ظهرت كتابياً في القرن السابع عشر ولا ترتكز على توثيق تاريخي معتبر. وفي المقابل، يمثل المشروب بصيغته المعروفة اليوم، من تحميص وطحن وغلي وطقوس اجتماعية وفضاءات احتضانه، إنجازاً يمنياً خالصاً تبلور في القرن التاسع الهجري الموافق للقرن الخامس عشر الميلادي، وتؤكد الأدلة الجينية أن شجيرات البن المنتشرة في مختلف أنحاء العالم تنحدر جذورها الوراثية مباشرة من تلك المزارع اليمنية التاريخية الأولى التي شكلت نقطة انطلاق القهوة نحو الآفاق العالمية.
وتتأصل حكاية القهوة في المدونات التاريخية والعربية من خلال محطات كبرى وثقها الفقيه عبد القادر بن محمد الجزيري الحنبلي في رسالته التاريخية “عمدة الصفوة في حل القهوة” الصادرة عام 1558، والتي شكلت المرجع الأساسي الذي انتقل إلى الغرب قراءةً لا شرباً بفضل المستشرق الفرنسي أنطوان غالان عام 1699.
تنقسم الروايات المؤسسة للبدايات في المدونة التاريخية إلى مسارين رئيسيين؛ ينسب الأول الفضل إلى مفتي عدن جمال الدين محمد بن سعيد الذبحاني الذي تعرف عليها في الحبشة واستشفى بها بعد مرض فألفاها وشاعت بين المتصوفة، بينما يذهب المسار الثاني إلى أن علي بن عمر الشاذلي كان سباقاً في إدخالها إلى اليمن، مستعيضاً بها عن أوراق القات حين شح في عدن بناءً على إشارة الذبحاني بأن البن يقوم مقامها في إعانة المريدين على السهر. ويؤكد المؤرخ الأمريكي رالف هاتوكس في مرجعيته الأكاديمية المؤسسة “القهوة والمقاهي” أن الاستعمال المبكر للنبتة ظل وثيق الصلة بالطرق الصوفية كوسيلة معينة على الطاعات وليست غاية تعبدية في ذاتها.
وعلى مستوى اللفظ واللسان، يحمل اسم القهوة دلالات جذره اللغوي العريق؛ إذ يوضح المستشرق كورنيليس فان أرندونك في دائرة المعارف الإسلامية أن التسمية كانت طارئة من لغة الخمر القديمة في الشعر العربي. وكما يبيّن ابن منظور وغيره من أئمة اللغويين، سُميت الخمر قهوة لأنها تقهي شاربها عن الطعام أي تسد شهوته، وكذا فعلت القهوة بإنضاجها للإقهاء المعاكس عبر إذهابها للنوم وإعانتها على اليقظة. ومن هذا الإرث اللغوي العربي العريق، ارتحلت الكلمة لتستقر في التركية كاهve، وتتفرع إلى الإيطالية كافيه، وتجري على ألسنة الأوروبيين في القرن السابع عشر ملقبة إياها بـنبيذ العرب.
لم يكن طريق القهوة معبداً بالقبول العام، بل واجهت في مهدها الأول محطات من الرفض والصدام؛ ففي عام 1511 ميلادية، عقد الأمير المملوكي خاير بك محتسب مكة مجلساً فقهياً بإيعاز من طبيبين فارسيين ادعيا أن الشراب يفسد المزاج، مما أدى إلى قرار بمنع مجالسها وإحراق حبوب البن في الشوارع ومعاقبة بعض الباعة. غير أن القرار اصطدم بمرسوم عاد من القاهرة ليدين تلك المجالس ويترك الشراب وشأنه، وينتهي الأمر بعزل خاير بك في العام التالي، خصوصاً وأن القهوة كانت متغلغلة في الروح العامة لدرجة شربها داخل المسجد الحرام وحضورها الدائم في مجالس الذكر والموالد، ما يعكس أن الهلع الحقيقي لم يكن من الفنجان بذاته بقدر ما كان من التجمع البشري المفتوح على النقاش وتداول شؤون الحكم، لتنتصر الأغلبية في النهاية بقاعدة الفقه القائلة بالإباحة ما لم يتحقق الإسكار.
ومن مكة المكرمة، انطلقت القهوة نحو حواضر العالم الإسلامي عبر طلبة العلم اليمنيين في رواق الأزهر بمصر، ومنها إلى دمشق وحلب، وصولاً إلى إسطنبول نحو عام 1554 حين افتتح رجلان شاميّان دكانين كبيرين لبيعها في حي تحت القلعة. ولم يكتف العرب والعثمانيون باكتشاف المشروب، بل ابتكروا فضاءه الحضاري المتمثل في المقهى؛ ذلك الفضاء الذي وصفته المصادر بمجمع الظرفاء ومكتب العرفان، واحتضن الحكواتي ولاعب خيال الظل والشاعر الشعبي، إلى جانب رقعة الشطرنج والنقاشات السياسية العميقة، لتصبح المقاهي منارة من أنوار الليل تضيء الفكر الإنساني وتجمع المختلفين على مائدة الحوار.
يشير المؤرخ وأستاذ الدراسات التركية في جامعة هارفارد جمال كفادار إلى الدور المحوري للمقهى في إضاءة ليالي العالم العثماني، حيث أتاح السهر المديني وساهم في انتقال الضيافة وتقاليدها من الانغلاق داخل غرف السلاملك الخاصة إلى الرحابة والمشاعية في الفضاء العام، وهو تحول أثار حفيظة المحافظين مثل المؤرخ بيجوي الذي أبدى تذمره من استبدال ولائم المنازل باكتفاء الناس بالمقاهي. تتناغم هذه الظاهرة بوضوح مع أطروحة الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الشهيرة في كتابه التحول البنيوي للمجال العام الصادر عام 1962، حين اعتبر مقاهي لندن مهداً للنقاش العقلاني الحر حول شؤون الحكم والمجتمع. بيد أن ما يلحّ عليه دارسو تاريخ الشرق الأوسط هو سبق الحواضر الإسلامية كالقاهرة ودمشق وإسطنبول في تأسيس هذا المجال العام الحيوي واحتضانه قبل العواصم الأوروبية مثل لندن بنحو قرن كامل، وهو ما تؤكده القرارات المتكررة للسلطات العثمانية بإغلاق تلك المقاهي مراراً وتكراراً، خوفاً من خطورة النقاشات الحرة وأحاديث السياسة التي كانت تدور بين ارتيادها.
تجلت المعرفة الأوروبية الأولى بشجرة البن عبر كتابات الطبيب الإيطالي بروسبيرو ألبيني في مؤلفه “في نباتات مصر” الصادر بالبندقية عام 1592 عقب إقامته بالقاهرة، قبل أن يخطو المشروب خطوته الكبرى نحو العواصم الغربية حين افتتح الخادم اليوناني باسكوا روزيه أول مقهى في لندن عام 1652 بالقرب من البورصة الملكية، وفقاً لما وثقه المؤرخ ماركمان إليس في كتابه “المقهى: تاريخ ثقافي”. ولم تمضِ ستون عاماً حتى غدت المدينة حاضنة لخمسمئة إلى ستمئة مقهى عُرفت باسم “جامعات البنس”، نظراً لأن بنساً واحداً كان يكفي ليحظى المرء بفرصة الإصغاء إلى أرجح الناس عقلاً وأعلمهم شأناً.
وفي رحاب تلك المقاهي اللندنية، تخلقت ملامح الحداثة الاقتصادية والعلمية الغربية؛ ففي مقهى إدوارد لويد نشأت لبنات سوق التأمين العالمي الشهير “لويدز”، وفي مقهى جوناثان تبلورت النواة الأولى لبورصة لندن، بينما التقى علماء الجمعية الملكية في فضاءات مشابهة لتبادل الأفكار والنظريات. ولم يكن هذا التحول ليتم دون ممانعة من السلطة، إذ حاول الملك تشارلز الثاني إصدار مرسوم لإغلاق المقاهي عام 1675، غير أنه اضطر إلى سحبه صاغراً بعد أيام قلائل تحت وطأة الضغط الشعبي العارم، مؤكداً أن الفضاء العام الذي أسسته القهوة بات قوة لا يستهان بها في صناعة القرار وتوجيه الرأي العام.
يقدم المؤرخ الألماني فولفغانغ شيفلبوش في كتابه “مذاقات الفردوس” الصادر عام 1980 قراءة تحليلية ترى أن القهوة وفدت كمشروب عقلاني محفز لليقظة، ليحل تدريجياً محل الجعة والنبيذ على موائد الفطور وأوقات العمل في أوروبا، متسقة تماماً مع منظومة الانضباط وقيم الإنتاجية الرأسمالية. ورغم وجاهة هذه الأطروحة، فإن المؤرخ برايان كوان، صاحب كتاب “الحياة الاجتماعية للقهوة” الصادر عن جامعة ييل عام 2005، ينبه إلى ضرورة الحذر من التهوين أو المبالغة في اختزال المقهى بوصفه المنبع الأوحد للعقلانية والتحديث.
وعلى وقع الرشفات، تدفق الإبداع الفني والأدبي في مختلف العواصم؛ فقد خلد الموسيقار الألماني يوهان سباستيان باخ هذه الثقافة حين ألّف “كانتاتا القهوة” نحو عام 1735 لتُعزف وتُغنى في أحد مقاهي لايبزيغ، متغزلة في أن طعم القهوة أعذب من ألف قبلة، بينما اتخذ الفيلسوفان جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار من مقهى “دو فلور” الباريسي مكتباً رحباً لصياغة أفكارهما الوجودية.
أما في العالم العربي، فقد تجسد المقهى صالوناً ثقافياً وبوتقة للنهضة الفكرية، انطلاقاً من حلقات السيد جمال الدين الأفغاني في مقهى “متاتيا” بالقاهرة التي كانت تُعرف بـ”قهوة مباشرة”، وصولاً إلى عميق أثر الأديب نجيب محفوظ في مقاهي الفيشاوي وريش، حيث تجاوز المقهى حدود المكان ليغدو بطلاً سردياً حياً في رواياته الخالدة مثل “زقاق المدق” و”الكرنك” و”قشتمر”.











