مقالات

ضياء الدين بلال .. يكتب : الأسلحة الغبية) !

متابعات _ أوراد نيوز

قبل سنوات، وعلى «كباية شاي» بصحيفة «التيار»، تحدث وزير الخارجية المكلف في حكومة حمدوك آنذاك، الأستاذ عمر قمر الدين، حديثا مطولا أمام عدد محدود من الحضور.

 

بعض ما قاله قمر الدين أثار وقتها جدلا واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي.

 

سنترك جانبا حديثه غير المنطقي عن حصول السودان على مليون دولار يوميا من رسوم عبور الطائرات الإسرائيلية!

 

ولن نعلق على تشبيهه غير الموفق لعملية التطبيع مع بمقدمات الزواج، من «الخطبة وفتح الخشم»، وما يتبع ذلك من نهايات سريرية!

 

-٢-

 

ما يستحق التوقف عنده، حتى بعد مرور كل هذه السنوات، هو ادعاؤه العريض بأن العقوبات الأمريكية على السودان كُتبت بأيديهم السمراء!

 

نعم، غريب أمر هذا الرجل، كان يفتخر بما يجدر الاستحياء منه!

 

فالعقوبات الأمريكية لم تقتصر آثارها على النظام السابق ورموزه، بل امتدت إلى الدولة السودانية وشعبها، وألحقت بالاقتصاد والقطاعات الحيوية أضرارا بالغة، لا تزال تبعاتها الثقيلة حاضرة في واقع البلاد.

 

والمفارقة أنه بعد سقوط نظام الإسلاميين، لم يستطع قمر الدين ومن معه محو ما كتبوه بأيديهم، حسب ادعائه، ورفع العقوبات عن كاهل الشعب السوداني، إلا بتكلفة مادية ومعنوية وسياسية باهظة.

 

وحتى بعد رفعها، لم يكن ممكنا إزالة آثارها العميقة من جسد الاقتصاد وروح الشعب بقرار أو توقيع، فقد كانت الجراح أعمق من أن تندمل بهذه السهولة.

 

ما قاله قمر الدين، بذلك الافتخار غير الحصيف، كان نموذجا لعقلية معارضة لا تفرق بين كيان الدولة وشخوص حكامها، وهي العقلية نفسها التي لا تزال تطل برأسها في مواقف قوى «قحت» حتى اليوم!

 

هؤلاء يذكروننا بأسرة بوربون، التي عادت إلى حكم فرنسا بعد سقوط نابليون عام 1815، دون أن تستوعب دروس الثورة الفرنسية أو تتخلص من خطايا الماضي.

 

وهي الأسرة التي ارتبط بها القول الشهير المنسوب إلى السياسي الفرنسي شارل تاليران: «إنهم لم يتعلموا شيئا، ولم ينسوا شيئا».

 

فبعض القوى السياسية عندنا لا تتعلم من تجاربها، ولا تنسى خصوماتها، وتظل أسيرة معارك الأمس، حتى وهي تواجه كوارث اليوم!

 

-٣-

 

وحتى بافتراض جواز الاستعانة بقوة الخارج للضغط على الخصوم السياسيين وإنهاء دورة حكمهم، فقد كان بالإمكان، في سياق مواجهة سلطة الإنقاذ، أن يسهم قمر الدين ومن معه في تصميم عقوبات ذكية، تستهدف قيادات السلطة ورموزها، دون أن تمتد آثارها إلى مصالح الشعب ومقومات حياته.

 

فالفارق كبير بين معاقبة الحاكم وإيذاء المحكوم، وبين إضعاف سلطة سياسية وإضعاف الدولة التي يتصارع الجميع على حكمها!

 

-٤-

 

للأسف، فإن العقلية التي كانت تعارض الإنقاذ بذلك السفور وتفعل ذات الشيء اليوم ، دون اكتراث بالخسائر الفادحة التي تصيب الأبرياء، انتقلت بعد سقوط النظام السابق من مقاعد المعارضة إلى مواقع السلطة، حاملة معها الأدوات نفسها وطريقة التفكير ذاتها!

 

فبدلا من أن تتعلم من التجربة، أعادت إنتاج أخطائها، وأدارت بعض الملفات بعقلية الخصومة والانتقام، دون اكتراث كاف بمصالح المواطنين وأوجاعهم.

 

إن التفكير في الإضرار بالخصوم السياسيين، بصرف النظر عما يترتب على ذلك من خسائر يتحملها الأبرياء، أشبه بالقصف العشوائي للمناطق المدنية!

 

ففي الحالتين، تتسع دائرة الأذى لتصيب من لا صلة لهم بالهدف المقصود.

 

-٥-

 

خذ مثالا من تلك الفترة:

 

كانت لجنة التمكين في حالة عداء مع الدكتور مأمون حميدة، وتسعى إلى إلحاق الضرر به، دون أن تعير اهتماما كافيا لضحايا ذلك الصراع من طلاب جامعته ومرضى المستشفى الأكاديمي والزيتونة!

 

فقد واجهت أكثر من خمس دفعات طلابية بكلية طب الأسنان في جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا خطر الحرمان من إكمال دراستها، وتوقف المستشفى الأكاديمي عن العمل، في سياق رغبة عارمة في فش تلك الغبينة السياسية!

 

خذ مثالا ثانيا:

 

الرغبة في معاقبة الدكتور عبد الحليم المتعافي ترتبت عليها، بحسب ما أثير وقتها، خسائر فادحة لستة آلاف مزارع بالنيل الأبيض، فضلا عن تهديد زراعة القمح في الموسم الشتوي، بمصادرة التقاوى المنتجة وطحنها بالقوة الجبرية «أكل التيراب»، نكاية في المتعافي!

 

خذ مثالا ثالثا:

 

أقدمت وزارة التربية بولاية الخرطوم، في تلك الفترة، على إغلاق عدد من المدارس الخاصة، عقابا لإداراتها، دون مراعاة كافية لمستقبل الطلاب والتلاميذ، أو ترتيب أوضاعهم التعليمية قبل تنفيذ القرار!

 

وقد قوبلت صور رجال الشرطة وهم يغلقون مدارس الصغار بالأقفال والسلاسل الحديدية باستهجان واسع.

 

بل إن إحدى المدارس أُغلقت قبل خروج المعلمين والطلاب والعمال من حرمها، على طريقة «الجو جوّا، والبرّا برّا»!

 

كانت تلك الوقائع، على اختلاف طبيعتها وتفاصيلها، تعبيرا عن خلل واحد في التفكير: الرغبة في إصابة الخصم، ولو أصابت الشظايا عشرات الأبرياء!

 

ومن يفعلون ذلك بهذا القدر من الغباء والقسوة، ليسوا سوى تلاميذ نجباء في مدرسة الحاجة «البصيرة أم حمد»!

 

-٦-

 

نعم، لا بد من قدر من الذكاء والحكمة والإحساس بالآخرين عند معاقبة الأفراد والجهات، حتى لا تتحول العقوبة من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة لإلحاق الظلم بالأبرياء.

 

فالتكنولوجيا الحديثة تبدع في تصميم الأسلحة الذكية التي تستهدف أهدافا محددة، وتسعى إلى تقليل الأضرار التي تلحق بغير المقصودين.

 

وكذلك الأدوية الذكية التي تُصمم لعلاج الأمراض الخطيرة، باستهداف الخلايا المريضة مع الحد من الإضرار بالخلايا السليمة.

 

وفي السياسة الدولية، تقوم فكرة العقوبات الذكية على حصر آثار العقوبة في نطاق محدد، دون أن يدفع ثمنها من هم خارج دائرة الاستهداف.

 

أما الأسلحة الغبية، فهي التي تصيب الهدف وما حوله، وقد ينجو منها المقصود، بينما يدفع الأبرياء الثمن!

 

والمؤسف أن هذه العقلية لم تكن مجرد خطأ عابر ارتبط بمرحلة سياسية وانتهى بانتهائها، وإنما ظلت، بأشكال مختلفة، واحدة من علل التفكير السياسي المعارض في السودان.

 

– أخيرا –

 

عندما تفضي المقدمات إلى نتائج تناقض الأهداف، فإن الأمر يستوجب إعادة فحص الفكرة من أساسها، ومراجعة أدوات تنفيذها.

 

وعندما تكون الآثار الجانبية للدواء أشد خطورة من المرض نفسه، فلا بد من وقف خطة العلاج، وإضاءة الإشارة الحمراء لتغيير المسار وطريقة التطبيب.

 

فليس من الحكمة أن نقتل المريض بحجة القضاء على المرض، ولا أن ندمر الوطن بدعوى معاقبة من يحكمونه!

 

والدرس الذي لم نتعلمه بعد، أن الدولة ليست ملكا للحاكم حتى نعاقبها بجريرته، ولا ينبغي أن يتحول المواطن إلى ضحية جانبية في معارك الساسة وخصوماتهم..!

‏#sudan

#السودان

#القوات_المسلحة_السودانية‬⁩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى