شهدت الفترة التي تلت اندلاع الصراع المسلح في منتصف أبريل من عام 2023 تحولاً جوهرياً في طبيعة الوجود السوداني على الأراضي المصرية، متجاوزة الصورة النمطية المرتبطة بأعباء النزوح والضغط الخدمي لتفرز مشهداً اقتصادياً فاعلاً تمثل في تدفق رؤوس الأموال واستثمارات متنوعة المناهج والقطاعات.
وفي هذا السياق، قدرت مصادر سودانية حجم الأعمال والاستثمارات الناشئة في السوق المصرية بملايين الدولارات، متوزعة على أنشطة عقارية وصناعية وتجارية وخدمية، مدفوعة بمتغيرات ميدانية دفعت بنحو مليون ومئتي ألف سوداني للجوء إلى المدن المصرية إلى جانب ملايين المقيمين مسبقاً، وهو واقع أفرز في بداياته نقاشات مجتمعية وإعلامية واسعة حيال التكتلات السكانية وتداعياتها على أسعار الإيجارات وموارد الدولة، قبل أن تتراجع تلك الحِدة تدريجياً بفعل موجات العودة الطوعية المتبوعة باستقرار أسر عديدة ارتبطت بمصالح اقتصادية ومسارات تعليمية لأبنائها.
وتعذر حصر الحجم الإجمالي لتلك الحركات الرأسمالية بدقة نظراً لاعتماد أجزاء معتبرة منها على مسارات غير مصرفية ترتبط تاريخياً بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على الخطوط المالية السودانية، غير أن المؤشرات الرسمية الصادرة عن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية في ديسمبر 2024 وثقت بلوغ الاستثمارات السودانية نحو 79 مليون دولار بنمو بلغ 39 في المائة مقارنة بالعام السابق، من خلال أكثر من 3320 شركة تعمل بفاعلية داخل السوق المصرية.

وقدشكلت الأراضي المصرية المقصد الرئيسي لتدفقات الأموال السودانية في أعقاب اندلاع الأزمات المسلحة، مدفوعة بمتانة العلاقات التاريخية وتقارب المسافات الجغرافية، حسبما أفاد عادل عبد العزيز الفكي، المستشار الاقتصادي والمدير السابق لمركز المعلومات بوزارة المالية السودانية. وأوضح الفكي في إفادات صحفية أن قطاع العقارات تصدر أولويات تلك الاستفادات الرأسمالية باعتباره ملاذاً آمناً وعالي العوائد، مشيراً في الوقت ذاته إلى توطن العديد من العلامات التجارية والإنتاجية السودانية داخل المصانع المصرية، لاسيما في مجالات اللحوم المجمدة والمنتجات الغذائية كالسمسم والطحينية، لتلبية احتياجات الجالية المحلية وتصدير الفائض نحو الأسواق السودانية.
ولم تقتصر جغرافيا هذا الحضور على العاصمة ومراكزها التاريخية مثل القاهرة والجيزة، بل تمددت لتشمل الإسكندرية وأسوان وشبكة المدن الجديدة كالتجمع الخامس والرحاب ومدينتي، فضلاً عن إنشاء شراكات إنتاجية متقدمة مع المصانع المصرية لا سيما في قطاعات السلع الغذائية واللحوم المجمدة، إلى جانب إطلاق علامات تجارية سودانية اتخذت من مصر قاعدة تصنيع وتوزيع تستهدف السوق المحلية والدولية على حد سواء، علاوة على القطاع التعليمي والمراكز الخاصة التي تخدم أبناء الجالية بالتوازي مع التنسيق الدبلوماسي والمؤسسي المستمر بين البلدين لتنظيم الأنشطة وتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك عبر الملتقيات والفعاليات الرسمية لرجال الأعمال.







