أحمد هارون .. ظهور مثير للجدل وتفاصيل الاتصالات السرية وخلافاته مع حميدتي

ظهر أحمد محمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني والمساعد الأسبق لرئيس السودان المعزول عمر البشير، عبر حوار مطول أجراه معه الإعلامي ربعي سراج من خلال برنامج «السودان بودكاست»، ليشكل هذا الظهور المرة الأولى التي يطل فيها علناً عبر تسجيل مصور منذ مغادرته سجن كوبر في العاصمة الخرطوم خلال الأيام الأولى للمواجهات المسلحة بين الجيش ومليشيات الدعم السريع التي انطلقت في شهر أبريل من عام 2023.
وتطرق اللقاء إلى ملفات بالغة الأهمية تتعلق بالتحولات السياسية التي سبقت الإطاحة بنظام الإنقاذ، والمسار التاريخي لتأسيس قوات الدعم السريع، فضلاً عن رؤيته لآفاق العمل الحزبي وطبيعة ارتباط المؤسسة العسكرية بالسلطة في البلاد.
وأثار هذا الظهور والإدلاء بالتصريحات موجة واسعة من الجدل والنقاشات المحتدمة عبر منصات التواصل الاجتماعي، متراوحة بين من انشغل بتفكيك مضامين رسائله وتحليلاته ومن وجه انتقادات حادة لعودة رمز من أبرز رموز النظام السابق إلى واجهة الحدث العام.
كما أعاد اللقاء طرح علامات الاستفهام الملحة حول الموقف القانوني لهارون وسبل التعامل القضائي معه مستقبلاً، لاسيما أنه غادر السجن بالتزامن مع تفجر الصراع بمعية عدد من رموز العهد السابق، وكونه مطلوباً بموجب مذكرات توقيف أصدرتها بحقه المحكمة الجنائية الدولية.
وأرجعت مصادر ومحللون سياسيون غياب أي خطوات عملية جديدة لملاحقته أو توقيفه إلى التعقيدات البالغة للوضع الأمني والميداني، والظروف الاستثنائية التي فرضها استمرار القتال، واضطرار مؤسسات الدولة لتكريس جهودها نحو إدارة الحرب ومعالجة تداعياتها الإنسانية والسياسية، في ظل غياب أي تصريحات رسمية حديثة تحسم وضعه القانوني القائم.
وفي تفاصيل إفاداته بشأن كواليس الحقبة الماضية، خصص هارون مساحة واسعة لاستعراض مجريات الأمور قبيل انهيار حكومة البشير، مسلطاً الضوء على طبيعة الاتصالات والتحركات التنسيقية التي دارت بين الرئيس المعزول، ومدير جهاز المخابرات الأسبق صلاح قوش، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بحميدتي.
كما قدم قراءة تحليلية لتاريخ بزوغ قوات الدعم السريع، مرجعاً جذورها الأولى إلى ارتباط وثيق بهيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات العامة، ومستحضراً في السياق ذاته تجربته التنفيذية والسياسية في شمال كردفان، والتقاطعات والخلافات التي برزت بينه وبين حميدتي حول الهندسة الإدارية والعسكرية قبل أن يتدخل البشير لاحتواء الموقف وتسوية النزاع بينهما.
وتفتح هذه الشهادات الباب مجدداً أمام قراءة شبكة التعقيدات والروابط التي جمعت هرم السلطة السابقة بالأجهزة الأمنية والدعم قبيل السقوط، وهي مسألة مركزية في الجدل الدائر حول هيكلة السلطة في السودان.
وعلى الصعيد الفكري والتنظيمي، استعرض هارون مجموعة من الأفكار والملامح النظرية التي قال أنه تبلورت لديه طوال فترة احتجازه في سجن كوبر، مؤكداً أن إخفاق التجارب الحزبية المتعاقبة كان الهاجس الأبرز الذي استهلك تفكيره، حيث أجرى دراسات ومراجعات مقارنة لمسارات سياسية في دول عديدة شملت الجزائر ومصر وتونس والمغرب إضافة إلى العراق وسوريا وباكستان والهند وجنوب أفريقيا ونيجيريا وإسبانيا والبرتغال وعدداً من بلدان أمريكا اللاتينية.
وخلص إلى أن النظم السياسية إنما تنبثق وتتشكل استجابة للبيئة والخصائص المجتمعية الحاضنة لها، معتبراً أن الاستنساخ الأعمى لنماذج الحكم الخارجية من دون اعتبار للفوارق المحلية محكوم عليه بالفشل، ومطالباً بتأسيس قالب سياسي وطني خالص ينبع من جوهر المجتمع السوداني وتحديات دولته.
وشدد على أن تكرار تعثر الأحزاب منذ الاستقلال نابع من عجزها عن الاستمرار، مما يوجب مراجعة جذرية لأسس الممارسة الحزبية عوضاً عن الاجترار الدائم للصيغ البالية.
وفي طروحاته المتعلقة بشكل المستقبل السياسي، دعا هارون إلى تبني نموذج هجين للحكم يدمج بين المدنيين والعسكريين، متسائلاً عن إمكانية صياغة ترتيبات تستوعب الديناميكية المعقدة بين القوى المدنية والمؤسسة العسكرية.
واستند في رؤيته هذه إلى تكرار سيناريوهات إبعاد الجيش عن مقاليد الحكم ثم عودته الواسعة عبر تسويات مختلفة تحظى بقبول قطاعات معتبرة من الشعب السوداني، معتبراً أن هذه الظاهرة المتكررة تكشف عن خلل بنيوي في هيكل النظام السياسي يستدعي المعالجة والبحث عن تسوية تنهي الاختلالات المزمنة التي أعاقت استقرار العمل الحزبي والمدني.
ورغم خلو المقابلة من تقديم خطة تفصيلية أو خارطة طريق واضحة لمكونات ذلك النظام الهجين أو آليات الفصل وتوزيع الصلاحيات بين الطرفين المدني والعسكري، إلا أنه حث على الاستفادة من الخبرات والتجارب المقارنة للدول الأخرى لاستنباط صيغة متوائمة مع الواقع السوداني.
وبهذا، يعود النقاش ليحتدم بشأن تداعيات ظهور قيادات الإنقاذ واستئناف حضورها الإعلامي والسياسي في توقيت يعاني فيه السودان من وطأة حرب مدمرة وأزمة مستحكمة منذ أبريل 2023.
وتتجسد في هذا الظهور تقاطعات عدة تجمع بين سردية النظام الساقط لأحداث انهياره، وتفسيراته لنشأة القوى العسكرية الموازية، ومقترحاته لإصلاح الحياة الحزبية وتصميم نظام الحكم المرتقب، لتتجدد بالنتيجة تساؤلات الشارع السوداني حول المسؤوليات التاريخية والسياسية والقانونية لهذه القيادات ودورها المحتمل أو المرتقب في أية تسويات سياسية قادمة.











