مقالات

السودان كما تراه الرياض

متابعات _ أوراد نيوز

الأحد 20 سبتمبر 2026الصادق جاد المولى

في جدة، في العشرين من أبريل الماضي، كان السودان حاضرًا مرة أخرى على طاولة الأمير محمد بن سلمان، جلس رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان إلى ولي العهد السعودي، وعادت الكلمات نفسها التي ظلت الرياض تتمسك بها منذ انفجار الحرب: أمن السودان واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه، كلمات قليلة تبدو في بيانات السياسة مألوفة، غير أن قيمتها في الحالة السودانية تكمن في ثباتها وسط بلد تتبدل فيه خرائط الحرب كل يوم.

 

تعرف المملكة السودان جيدًا، تعرفه من البحر الأحمر الذي يجمع الضفتين، ومن سنوات طويلة من العلاقات والهجرة والعمل والتجارة، ومن مئات الآلاف من السودانيين الذين عرفوا المدن السعودية وعاشت أسرهم فيها، لذلك دخل السودان في الحساب السعودي من باب الجغرافيا والتاريخ والمصلحة المشتركة، واستقراره جزء من استقرار البحر الأحمر وشرق أفريقيا، وأمنه يمتد أثره إلى إقليم تتقاطع فيه طرق التجارة والموانئ والمصالح الدولية.

 

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 اختارت الرياض طريقًا واضحًا، جمعت المتحاربين في جدة، وخرج من المدينة إعلان حماية المدنيين، ثم اتفاق وقف إطلاق النار قصير الأمد والترتيبات الإنسانية، وبعد تعثر الاتفاق بقي اسم جدة قائمًا في كل حديث جاد عن إنهاء الحرب، وكأن المدينة احتفظت للسودانيين بالمقعد الذي غادروه على أمل أن يعودوا إليه في يوم أقل صخبًا وأكثر عقلًا.

 

ولقد ظلت السياسة السعودية على بقاء الدولة السودانية نفسها، بوحدتها ومؤسساتها وسيادتها، وهذا التفصيل بالغ الأهمية في حرب فتحت الأبواب أمام مشاريع التقسيم والحكومات الموازية وتعدد مراكز الشرعية، وقد أعلنت المملكة رفضها لأي خطوات تمس وحدة السودان خارج مؤسساته الرسمية، ثم أعادت أمام مجلس الأمن في يونيو الماضي تأكيد أولوية وقف الحرب والحفاظ على مؤسسات الدولة وتهيئة الطريق لحل سياسي سوداني سوداني.

 

وفي السياسة تُقرأ المواقف أيضًا بما تفعله الدول خارج قاعات الاجتماعات، لذلك كانت سفن الإغاثة السعودية وطائراتها تعبر إلى السودان فيما كانت الأخبار القادمة منه ممتلئة بالنزوح والجوع وتعطل المستشفيات، ووصل الدعم إلى الغذاء والصحة والمياه والإيواء، ثم وصلت المساعدات في يوليو الماضي إلى مطار الخرطوم نفسه، في صورة تختصر شيئًا من الفارق بين الحديث عن مأساة بلد ومد اليد إلى أهله.

 

للمملكة مصلحة كبرى في سودان مستقر، وللسودان مصلحة أكبر في بقاء السعودية قريبة منه، فالدول المنهكة بالحروب تحتاج في جوارها إلى دولة تعرف وزنها وتملك القدرة على جمع الفرقاء وفتح الأبواب المغلقة، وقد أثبتت سنوات الأزمة أن الرياض تحتفظ بمسافة تسمح لها بالعمل السياسي، وبعلاقة مع السودان تتجاوز حكومة عابرة أو مرحلة من مراحل الحكم إلى صلة بين دولتين وشعبين.

 

وكلما طالت الحرب اتسعت تكلفتها، وسيدفع السودانيون ثمن السنوات الضائعة قبل أن يحصيها المؤرخون، لهذا تبدو العودة إلى السياسة أقل تكلفة من إضافة مقبرة جديدة، ويبدو منبر جدة أقرب الطرق التي يعرفها السودانيون ويعرفهم أصحابها، فقد جُرّبت البندقية بما يكفي، وصار السودان في حاجة إلى دولة تستعيد مؤسساتها ومدن تستعيد أهلها وشعب يستعيد حياته.

 

ظل الموقف ثابتًا في الرياض وسط تبدل المواقف، السودان دولة واحدة، وأرضه واحدة، ومؤسساته أساس بقائه، والحرب طريق ينبغي أن يبلغ نهايته، وربما كان أجمل ما يمكن أن يُكتب في ختام هذه السنوات أن السلام الذي بحث عنه السودانيون طويلًا وجد بابه على الشاطئ الآخر من البحر الأحمر.

 

الصادق جاد المولى

– كاتب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى